محمد متولي الشعراوي

9029

تفسير الشعراوي

بعده ؛ لأنه رأى من سلوكياتهم في الحياة عدم أهليتهم لحمْل هذه المهمة . { مِن وَرَآئِي } [ مريم : 5 ] سبق أن أوضحنا في سورة ( الكهف ) أن كلمة وراء تأتي بمعنى : خلف ، أو أمام ، أو بعد ، أو غير . وهنا جاءت بمعنى : من بعدي . ثم يقول : { وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً } [ مريم : 5 ] والعاقر هي التي لا تلد بطبيعتها بداية ، أو صارت عاقراً بسبب بلوغها سِنَّ اليأس مثلاً . ونحن نعلم أن التكاثر والإنجاب في الجنس البشري ينشأ من رجل وامرأة ، وقد سبق أنْ وصفَ زكريا حاله من الضعف والكبر ، ثم يخبر عن زوجته بأنها عاقرٌ لا تلد ، إذن : فأسباب الإنجاب جميعها مُعطلَّة . وقوله : { وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً } [ مريم : 5 ] أي : هي بطبيعتها عاقر ، وهذا أمر مصاحب لها ليس طارئاً عليها ، فلم يسبق لها الإنجاب قبل ذلك . ثم يقول : { فَهَبْ لِي } [ مريم : 5 ] والهِبَة هي العطاء بلا مقابل ، فالأسباب هنا مُعطَّلة ، والمقدمات تقول : لا يوجد إنجاب ؛ لذلك لم يقُلْ مثلاً : أعطني ؛ لأن العطاء قد يكون عن مقابل ، أما في هذه الحالة فالعطاء بلا مقابل وبلا مقدمات ، فكأنه قال : يا رب إنْ كنتَ ستعطيني الولد فهو هِبَة منك لا أملك أسبابها ؛ لذلك قال في آية أخرى عن إبراهيم عليه السلام : { الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } [ إبراهيم : 39 ] .